الشيخ فاضل اللنكراني

42

مدخل التفسير

القرآن معجزة خالدة من الحقائق التي لا يشك فيه مسلم ، بل كل من له أدنى مساس بعالم الأديان من الباحثين والمطلعين : أن الكتاب العزيز هي المعجزة الوحيدة الخالدة ، والأثر الفرد الباقي بعد النبوة ، ولا بد من أن يكون كذلك ، فإنه بعد اتصاف الدين الاسلامي بالخلود والبقاء ، وتلبّس الشريعة المحمّدية بلباس الخاتميّة والدوام لا محيص من أن يكون بحسب البقاء - اثباتا - له برهان ودليل ، فان النبوة والسّفارة كما تحتاج في أصل ثبوتها ابتداء إلى الاعجاز ، والاتيان بما يخرق العادة وناموس الطبيعة كذلك يفتقر في بقائها إلى ذلك خصوصا إذا كانت دائميّة باقية ببقاء الدهر . ومن المعلوم : ان ما يصلح لهذا الشأن ليس الّا الكتاب ، ويدل هو بنفسه على ذلك في ضمن آيات كثيرة : منها قوله تعالى في سورة الإسراء : « قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً 88 » . فان التحدّي في هذه الآية عام شامل لكل من الانس والجنّ ، أعم من الموجودين في عصر النبي صلّى اللّه عليه وآله بل الظاهر الشمول للسّابقين عليه أيضا ، وعموم التحدّي دليل على خلود الاعجاز كما هو ظاهر . ومنها : قوله في سورة إبراهيم : « كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ » 1 . فان اخراج الناس الظاهر في العموم من الظلمات إلى النور بسبب الكتاب النازل ، كما تدل عليه لام الغاية ، لا يكاد يمكن بدون خلود الاعجاز ، فان تصدى الكتاب للهداية بالإضافة إلى العصور المتأخرة إنّما هو فرع كونه معجزة خالدة ،